أحمد الشرباصي
81
موسوعة اخلاق القرآن
ولقد أشار البصراء بدقائق الاخلاق إلى أن الطمأنينة مراتب ودرجات ، فهناك طمأنينة القلب بذكر اللّه ، فإن القلب إذا اخلص في ذكر اللّه هدأ واطمأن ، وسكن واستراح . وهناك طمأنينة السالك على بصيرة وهدى إلى استقامة طريقه ، وتوصيله إلى غايته ، ولعله مما يشير إلى هذا قول الحق جل جلاله : « قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي » . وهناك طمأنينة المؤمن إلى لطف اللّه وسعة رحمته ، فربه هو القائل : « وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ » . والرجل المطمئن لا يحزن على ما فات ، ولا يفرح بما هو كائن ، ولا يخاف مما هو آت ، وهو لا يضجر من أداء واجب ، فإن الطمأنينة فيها معنى الإقامة والدوام ، ولذلك يقال : اطمأن فلان بالمكان إذا لزمه وأقام فيه ، وهو لا يمل مجانبة الاثم ، لأن الاثم والطمأنينة لا يجتمعان ، فالاثم حيرة ، ولكن البر سكينة والحديث يقول : « الاثم ما حاك في صدرك ، وكرهت أن يطلع عليه الناس » . ويقول : « البر ما اطمأنت اليه النفس ، واطمأن اليه القلب » . والمطمئن لا يجزع من قضاء ، ولا يضيق بقدر ، بل يردد مع القائل : ما قد مضى يا نفس فاصطبري له * ولك الأمان من الذي لم يقدر وتحققي أن المقدّر كائن * يجري عليك ، حذرت أم لم تحذري ولقد كان سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المثل الأعلى في التخلق بخلق الطمأنينة ، فما استطاعت الأهوال المتوالية ان تخرجه عن وقاره ورزانته ، ولا استطاع النصر العظيم ان يزدهيه أو يغره ، ولا ضعف يقينه أو رجاؤه في أحلك الظلمات وأشد الأزمات ، والقرآن يترجم عن هذا حين يقول : « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ، إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ أخلاق القرآن - ( 6 )